مربع جوجل

الثلاثاء، 28 سبتمبر، 2010

الصومال بين خيارات أحلاها مر



عرف الصومال منذ مؤتمر مدينة (عرتا) الجيبوتية الذي عقد في عام 2000م نوعا غريبا من الحكومات الضعيفة يتم تشكيلها خارج البلاد وتمر جميعها باطوار متشابهة ثم تتبخر كل منها في النهاية. تدور هذه الحكومات جميعا في اطار واحد يمكن حصره في (مؤتمر مصالحة يتمخض عن حكومة إنتقالية ما ان يتم نقلها الى مقديشو حتى تجد نفسها محاصرة في رقعة صغيرة من الارض فتكون عند ذالك مضطرة لاعلان فشلها ليبدأ بعدها سيناريو مؤتمرالمصالحة يعيد نفسه من جديد بنفس الاسلوب ليفضي فقط الى نفس النتيجة في كل مرة).
وتتشابه هذه الحكومات الهشة من حيث التكوين فهي حكومات تتشكل على اساس قبلي بدائي لا يأخذ بعين الاعتبار مصلحة البلد ومستقبله بقدر ما يهتم بالمحاصصة القبلية التي تحاول - من غير جدوى- ارضاء كل القبائل والعشائر المتناثرة على التراب الصومالي لتشعر كل منها بانها ممثلة في الحكومة الفدرالية. وتتشابه ايضا من حيث المناخ العام الذي تشكلت كل منها في ظله، فكل منها تشكل خارج البلاد برعاية وشروط دول مجاورة للصومال ما زال بعضها يحتل اراضي صومالية حتى الآن، فكان من الطبيعي أن يكون دور هذه الدول في السياسة الصومالية منحصرا في وضع المزيد من العراقيل أمام أية فرصة حقيقية من شأنها أن تقود الى حل ناجح يضع حدا للصراع الاهلي في الصومال.

وقد مرت بالصومال خلال السنوات العشر الاخيرة ثلاث حكومات فدرالية لم ينجح اي منها في بسط سيطرته الكاملة على العاصمة فقط، ناهيك عن باقي المدن الصومالية التي ظل معظهما خاضعا لادارات محلية تديرها العشائر الصومالية المختلفة التي لا تخضع في سياساتها للحكومات المركزية الضعيفة في مقديشو، أما الاقاليم التي لا تتبع الحكومة ولا الادارات القبيلة فقد اصبحت تحت سيطرة حركة الشباب المتهمة بصلاتها مع تنظيم القاعدة، وتختلف هذه الحركة عن الحكومات الفدرالية الضعيفة المتعاقبة منذ عام 2000م وتوابعها - بالاسم فقط- من الادارات العشائرية فيما يسمى ب (الحكومات الاقليمية) في نقطتين أساسيتين:

أ- لا تخضع حركة الشباب في تكوينها للمعادلة القبلية الصريحة التي تقوم عليها الحكومات الفدرالية وادارات العشائر في الحكومات الاقليمية، فحركة الشباب ينتسب اليها مزيج من القادة والمقاتلين ينحدرون من كل الاقاليم الصومالية. ولذلك فان هذه الحركة لا تعترف بالحدود الوهمية التي اتخذتها العشائر الصومالية في وجه بعضها البعض بايحاء من دول الجوار مثل اثيوبيا وكينيا، بل يكتسح مقاتلوها كل المناطق التي يمكنهم الوصول اليها.
ب- لا تخضع هذه الحركة في سياساتها لتوجيهات عواصم الدول المجاورة كما تفعل الحكومات الفدرالية وادارات العشائر وانما تقف من هذه الدول موقفا وطنيا لا يهادن على السيادة الصومالية، لكن ينبغي ان نشير الى أن كون حركة الشباب لا تأتمر باوامر القوى الاقليمة المجاورة لا يعني بالضرورة عدم ارتباطها باطراف خارجية، وهو ما يؤكده تأثرها الواضح بالنهج القاعدي في جوانب مختلفة من نشاطاتها وسلوكياتها، لكن في نفس الوقت يبقى هذا التأثير الخارجي محكوما باختيار هذه الحركة وخاضعا لإرادتها خلافا لما هو عليه الحال بالنسبة للحكومات الفدرالية وتوابعها الخاضعة لابتزاز وتهديدات دول الجوار، فإذا رأت حركة الشباب أن عليها ان تغير نهجها لسبب او لآخر فإن بامكانها القيام بذلك دون التحسب لاجراءات عقابية من هذا الطرف أو ذاك، ولذلك فانها أكثر استقلالية من كافة القوى السياسية الموجودة على الساحة الصومالية، ويعود الفضل في ذلك الى الرؤية الدينية عند هذه الحركة التي ترى في مهادنة غير المسلمين نوعا من الذل لا يقبله الاسلام.

وعند تقييم القوى السياسية المتعددة في الصومال واستعراض سجل كل منها على حده لاستكشاف مدى قدرة كل منها على إيجاد حل ناجع للمسألة الصومالية التي تزداد تعقيدا مع الأيام فان المرء لا يسعه إلا أن يحسن الظن بحركة الشباب وذالك للاسباب التالية:
- أن الحكومات الفدرالية المتعاقبة على مدى عشر سنوات أثبتت عدم جديتها في ان تكون حكومات صومالية تعمل من اجل الشعب الصومالي حيث اصبحت هذه الحكومات مجرد مطية تركبها دول الجوار وتستخرج عن طريقها التصاريح لاستغلال الموارد الصومالية لصالحها، فاثيوبيا وهي دولة حبيسة بلا ساحل أصبحت بفضل توقيعات وأختام هذه الحكومات الضعيفة تستغل الموانئ الصومالية، ووقعت كينيا هي الاخرى مع إحدى هذه الحكومات إتفاقية تفاهم بحرية تمكنها من اقتطاع جزء من الساحل الجنوبي للصومال وهو ما تنبه له الصوماليون رغم خلافاتهم ونجحو في افشاله جزئيا مع ان كينيا لا تزال متمسكة بهذه الاتفاقية التي رفضتها الأمم المتحدة.
- نجحت حركة الشباب في استيعاب جميع طوائف الشعب الصومالي في صفوفها في حين ان الجماعات الاخرى تمارس التمييز القبلي بين الصوماليين بشكل غير حضاري، وهو ما ساهم في اطالة الصراع وتقسيم البلاد الى كنتونات بائسة متناحرة.
- يحسب لحركة الشباب دون غيرها موقفها الصارم من الهيئات التنصيرية التي تسللت الى البلاد تحت غطاء العمل الخيري، فقد نجحت هذه الحركة في كشف وتفكيك الشبكات التنصيرية وتعاملت معها ومع الأميين الصعاليك الذين غرر بهم المنصرون بحزم بالغ تقتضيه المحافظة على التجانس الديني في البلاد.
- تتمسك هذه الحركة بالرؤية الوطنية القائمة على وحدة الدين واللغة والعرق والتي تحتم بدورها وحدة المصير بين أبناء الصومال، وترفض بشدة الاعتراف بالحدود التقسيمية السخيفة التي تم استحداثها بتأثير اثيوبي كجزء من النظام الفدرالي في الصومال.

لكن مع ذلك تبقى هناك نقطة ضعف خطيرة في التفكير السياسي عند حركة الشباب وهي اصرارها على معالجة القضية الصومالية على أساس ديني بحت متجاهلة بذلك ان المشكلة الصومالية سياسية في المقام الاول، لأ ن ما اختلف عليه الصوماليون هو الحكم وليس الدين، فبدلا من الاعتراف بهذه الحقيقة والانطلاق منها في التعامل مع الاطراف الصومالية الاخرى فإن الحركة تصر على ان تنحو بالامور منحى دينيا لا يصنف الاشياء إلا على أساس الكفر والإيمان، وهو تصنيف خطير عندما يتم إستخدامه وسط مجتمع يدين كله بالإسلام. كما تتجاهل هذه الحركة توازنات القوة التي تحكم السياسة الدولية المعقدة ومن ثم تقحم نفسها في نزاعات لا ناقة لها فيها ولا جمل، وتعاطفها مع تنظيم القاعدة واستقدامها للمقاتلين الأجانب خير دليل على استهتارها السياسي الذي يجعل من الصومال ساحة صراع مفتوحة لأطراف خارجية لا تهمها مصلحة الصومال. لذلك فإن حصول هذه الحركة على ثقة الصوماليين مرهون بتخليها عن النهج التكفيري والاستعاضة عنه ببرنامج وطني يتحرك فقط داخل الاطار السياسي للصراع الأهلي الدائر في الصومال.