مربع جوجل

الاثنين، 19 أبريل، 2010

لماذا لا يعترفون بجمهورية "ارض الصومال"؟


بعد تسعة عشرة عاما من اعلان استقلالها وانفصالها عن الصومال من طرف واحد، فإن جمهورية "ارض الصومال" لا تزال رسميا على المتسوى الدولي جزءا من جمهورية الصومال، ولا يزال المجتمع الدولي يتعامل مع "ارض الصومال" على هذا الاساس.

تغير الكثير في العالم منذ اعلان ابناء ذلك الاقليم قيام دولتهم، ومع ذلك لم يتغير الموقف الدولي- على الاقل حتى الآن- تجاه انفصال شمال غرب الصومال عن الجمهورية الصومالية. صحيح ان هناك في الاونة الاخيرة مؤشرات على ان "ارض الصومال" نجحت الى حد ما في لفت انظار بعض الدول الغربية الى وضعها ككيان حقق بعض الانجازات المحدودة جدا مثل الاستقرار النسبي والحياة شبه الديمقراطية في منطقة شديدة الاضطراب، إلا ان تجاوب هذه الدول مع كل هذه "الإنجازات" لم يصل بعد الى مرحلة الاعتراف باستقلال وانفصال هذا الاقليم رسميا عن الصومال، حتى ان بريطانيا التي ظل ابناء "ارض الصومال" طوال مشوارهم الانفصالي يتمسحون بها ويتوددون اليها بمختلف الوسائل على اساس انها مستعمرهم السابق ومن ثم تربطهم بها علاقات خاصة، لم يتعد تضامنها معهم ارسال وفود غير ذات شأن تمثل منظمات مدنية ولا تمثل الحكومة البريطانية الى هرجيسا من وقت لأخر، وفي مناسبات قليلة جدا- وكنوع من المجاملة- سمحت بعقد لقاء فاتر بين رئيس "أرض الصومال" ونائب السفير البريطاني في اديس ابابا، ولا ادري وفق اي بروتوكول يجتمع رئيس دولة بنائب سفير .

وبالرغم من أن مثل هذه اللقاءات لا تعني شيئا على الأرجح بالنسبة لبريطانيا، اذا استثنينا حصول البريطانيين على معلومات إستخباراتية مفصلة عن الإقليم الواقع في شمال غرب الصومال عبر هذه اللقاءات، فإنها بالتأكيد كانت دوما ولا تزال محل ترحيب وحفاوة شديدة من قبل أبناء "ارض الصومال" لانها بالنسبة لهم دليل على ان سعيهم للإنفصال عن الصومال يسير في الاتجاه الصحيح.

وتتشابه هذه اللقاءات من حيث التاثير على أبناء الاقليم ورفع معنوياتهم الإنفصالية مع الزيارات التي تقوم بها الوفود المدنية ذات المهام الخيرية في الغالب التي تزور الإقليم من وقت لآخر والتي يصر ابناء الشمال على أنها "وفود رفيعة المستوى" ويعتبرون قدومها ارهاصا للإعتراف الدولي الذي طال إنتظاره. والحق ان كل هذه اللقاءات المتعددة والوفود "رفيعة المستوى" هذه حسب وصف من يستقبلهم لا تقدم لابناء "ارض الصومال" أكثر من تهييج مشاعرهم الإنفصالية ودفعهم للتمسك بحلم بعيد المنال .

لقد اتخذ زعماء الإنفصال خطوات متعددة حاولو من خلالها الترويج لهدفهم الإنفصالي وكسب التأييد لتحقيقه، كان من بينها قيامهم بارسال خطاب ميلئ بالتملق الفاحش لدرجة الزعم بوجود صلة قربى تربطهم باليهود الى رئيس الوزراء الإسرائيلى الأسبق إسحاق رابين عام 1995آملين من وراء هذه المسخرة أن تقوم إسرائيل بالضغط على الغرب للإعتراف بهم وهو ما لم يتحقق حتى الآن. كما حاولو إستغلال هوجة ما يسمى "الحرب على الإرهاب" كطريقة لاستعطاف الامريكان فاعتقلو علماء دين أبرياء تصادف انهم يعيشون بينهم دون أن يكونو ممن ينتمي قبليا للإقليم، وسجلو بعض الأشرطة التي تظهر أفرادا من مليشياتهم وهم يقومون بإستجواب وتهديد هولاء العلماء المساكين (وقد عرض موقع [صومالي توك] بعضا من صور هذه المخازي)، الى جانب قيامهم بتسليم بعض الصوماليين ممن ليسو من أبناء إقليمهم الى حكومة ميلس زيناوي بانتظام بدعوى أنهم إرهابيون مطلوبون للنظام الأثيوبي المشهور بانتهاكاته المتكررة لحقوق الانسان بشهادات المنظمات الحقوقية. لكن يبدو ان كل ذلك لم يشفع لهم ولم يعترف بهم احد حتى الآن.

ولنا ان نتسائل عن السبب الكامن وراء إعراض دول العالم وخاصة دول الغرب عن الاعتراف بهذا الكيان المتلهف جدا للاعتراف الدولي. وللوصول الى جواب منطقي فان علينا ان نتذكر ان المشكلة الصومالية بالنسبة للدول المعنية بالشأن الصومالي والمؤثرة فيه وخاصة الدول الناقمة على الصومال والمستفيدة من الوضع الحالى الذي يعيشه منذ زمن طويل مثل اثيوبيا وأصدقائهاالغربيين، بالنسبة لهذه الدول فان المشكلة الصومالية بشكل عام يجمعها ملف واحد بكل ما تشمله من اطراف مختلفة في توجهاتها ومتباعدة في مواقفها. بمعنى ان هذه الدول تتعامل مع الصومال من زواية انه بلد واحد بشعب واحد يجمعه مصير واحد. ولا تهمها التفاصيل الكثيرة والتعقيدات السخيفة التي يفرق الصوماليون أنفسهم على أساسها. والمفارقة ان هذه الدول المعادية للصومال بحكم الثقافة والدين والتاريخ تبدو في نظرتها للصومال اكثر شمولية وتوحيدا للواقع الصومالي مما يستطيع الصوماليون أنفسهم تحقيقه. وعلى ضوء هذه الحقيقة يمكن أن نفهم الزيارات المتشابهة التي يقوم بها "الزعماء" الصوماليون- من الشمال الذي ينادي بالإنفصال الى الجنوب الذي يحتضن الحكومات الفدرالية الشكلية- للعاصمة الاثيوبية. لان الملف الصومالي بكل تفاصيله وتعقيداته موجود في تلك العاصمة كملف واحد، ولا يختلف هؤلآء الزعماء عن بعضهم بالنسبة لل الاثيوبي الا بمقدار ما تختلف مواعيد زياراتهم المنتظمة والصارمة الى الى عاصمته. ولأن الغرب فيما يبدو، أسند مهمة إدارة الوضع الصومالي الى الحكومة الاثيوبية فإن هذه الاخيرة -كأي موظف يؤدي مهمته بكفائة- عازمة على أن يبقي الوضع الصومالي على ما هو عليه (وضع الدولة الفاشلة). والاعتراف بجمهورية "ارض الصومال" كبلد مستقل على المستوى الدولي سيفسد على إثيوبيا نشوة التلذذ بآلام الصوماليين كما أن هذاالإعتراف يعرقل عملية إلغاء المجتمع الصومالي الجارية منذ سقوط نظام الرئيس محمد سياد بري، لانه سينقذ جزءا من الصومال يحمل في داخله كل خصائص المجتمع الصومالي من دين ولغة وتراث.
ومن جانب آخر فإن الإعتراف الكامل بهذه الجمهورية سيقود الى نوع من الصحوة الوطنية القوية بين أعداد كبيرة من الصوماليين، صحوة من المحتمل جدا أن تتخذ شكل إستنكار هستيري للولادة الشرعية لتلك الجمهورية ثم الانتظام في تشكيلات سياسية تحاول تدارك الوضع بانقاذ الجزء المتبقي من البلد وتوحيده تحت راية واحدة اذا لم يتم النجاح في إلغاء الكيان الجديد، وإذا لم تتحقق الصحوة بتلك الصورة، فان الواقع الصومالي الذي قدم لنا نماذج كثيرة من تقليد الصوماليين بعضهم لبعض، سيتفجر بمطالبة اجزاء اخرى من الصومال بالإنفصال وبالاعتراف الدولي بها كجمهوريات مستقلة وفي كلتا الحالتين فأن وضع الدولة الفاشلة لن يستمر كما هو الآن. وبالاضافة الى ما سيحدثه هذا الاعتراف "بارض الصومال" من هزة قوية داخل الصومال فان عدواه ستنتشرإقليميا الى داخل اثيوبيا نفسها، وهو ما سيسبب لها ارتباكا سياسيا لا تريد المخاطرة بظهوره ولا تستطيع تحمل تكاليفه، وما دامت إثيوبيا غير مستعدة لهذا النوع من "وجع الدماغ" فان أصدقائها في الغرب سيعملون على تجنيبها مخاطر الاعتراف الدولي "بارض الصومال".

واذا اعترف الغرب "بارض الصومال" في يوم من الأيام فذلك لانه قرر التخلي- وهو أمر بعيد الإحتمال في المستقبل المنظور- عن دول افريقية عزيزة على قلبه (إستراتيجيا)، دول مثل كينيا وإثيوبيا، تقطنها قوميات وأعراق مختلفة لا تجمعها رابطة دم أو عقيدة ولذلك فان انفراط عقد وحدتها أمر وارد في كل لحظة، وقد رأينا كيف تفجرت المذابح العرقية في الانتخابات الرئاسية في كينيا عام 2007م وهي مذابح كانت في طريقها للتحول الى حرب اهلية مدمرة لولا الجهود الحثيثة التي بذلها الغرب والمنظمات الافريقية وشخصيات دولية بارزة مثل الامين العام للامم المتحدة السابق كوفي انان لتدارك الوضع، ونفس الاستعداد النفسي للصدامات العرقية والإنفلات الأمني موجود في التركيبة الاثيوبية بشكل يفوق الحالة الكينية بمراحل ولكن يحول دون وقوعها القوة المسلحة للدولة التي تم تجنيدها لقمع اي تحرك سياسي تقوم به اي من القوميات المتعددة التي تعج بها الساحة الاثيوبية.
لكني أعود للتأكيد على أن المانع الأكبر للإعتراف الدولي باستقلال "أرض الصومال" يتمثل في عزم الغرب ومعه اثيوبيا وجارتها كينيا على الغاء القومية الصومالية المستقلة نهائيا عن طريق (الدولة الفاشلة) التي سينتهي بها المطاف على مائدة التقسيم بين اثيوبيا وكينيا، وقد ظهرت في كينيا بالفعل أصوات تطالب بهذا التقسيم وعلى صفحات جرائد ذات شهرة واسعة في كينيا مثل "الدلي نيشن".