مربع جوجل

الأحد، 4 أبريل، 2010

هنتنجتون: نشر الكراهية بإسم العلم


عندما قام صامويل هنتنغتون في عام 1993م بنشر مقاله الذي أصبح يعرف فيما بعد بنظرية "صراع الحضارات" فقد كان يدرك على الأرجح أنه قدم للعالم المتناحر أصلا، مزيدا من الأسباب والمبررات لا لكي يواصل الصراع والإعتداءات المتبادلة فحسب، ولكن لكي يقتنع أيضا بأن لهذا الصراع أسسا منطقية ومبررات تجعل من إستمراره أمرا ضروريا، ومن ثم فإن على المرء أن يختار معسكره في هذا الصراع الكوني. وبهذه الخطوة يكون هنتنغتون قد ضمن لنفسه مكانة متميزة بين مروجي الفتن ومؤججي الحروب.

يمكن الوقوف على حقيقة شخصية هنتنغتون غير المنفتحة وغير المتسامحة مع الحضارات المختلفة عن حضارته، من خلال أطروحاته التي يمكن إعتبارها تجسيدا لكل من مخاوفه وآماله، مثال ذلك كتابه (من نحن؟) الذي نشر في عام 2004م والذي ناقش فيه الهوية القومية لأميركا والتحدي الذي تمثله هجرة اللاتينيين الى الولايات المتحدة، معتبرا إياها خطرا يهدد الهوية الأمريكية. ويبدي هنتنغتون في هذا الكتاب تخوفه من أن تكون الهجرة اللاتينية سببا في تحول الولايات المتحدة في المستقبل الى دولة ذات شعبين وثقافتين (انجلوساسكسونية وأسبانية). والحقيقة أن هنتنغتون إستخدم الخوف على مستقبل الولايات المتحدة كذريعة لتقوية النفوذ الذي تتمتع به العناصر البروتستانتية ذات الجذور الأنجليزية، في أميركا. فإذا كان هنتنغتون لا يتسامح مع الثقافات والأعراق الأخرى الموجودة في نطاق الحضارة الغربية والتي لا تختلف عن عرقه أو ثقافته إلا في تفاصيل سطحية بسيطة، فإن تسامحه مع الإسلام أو مع أي دين ءاخر خارج المنظومة الغربية يبقى أمرا بعيد الإحتمال.

ويلاحظ فيما كتبه هنتنغتون بخصوص الحضارات أنه يركز بشكل متعمد على إبراز الفروق الثقافية الموجودة بين الحضارات المختلفة وإظهار مكونات الحضارة التي لا تعجبه على أنها شديدة الخطورة والتحدي، لكي يتخذها بعد ذلك قاعدة يبرر على أساسها دعوته المحرضة الداعية الى الصراع وليفرض من خلالها رؤيته الذاتية غير الموضوعية بإسم البحث والدراسة. ما يعني أن هنتنغتون يحاول إيجاد وخلق العوامل المؤدية الى صراع الحضارات بنفسه، بالإضافة الى إصراره على أن يكون هو من يحدد طبيعة وملامح ذلك الصراع والأطراف المتصارعة ونوع الإجراءات التي ينبغي على الطرف الذي يقف هنتنغتون في صفه- وهو الغرب بطبيعة الحال- إتباعها ليكون الطرف المنتصر في هذا الصراع.
ويتشابه صامويل هنتنغتون في الطريقة التي إتبعها لعرض رؤيته، مع كارل ماركس عند تقديمه للبيان الشيوعي وما تضمنه من سرد خيالي لتفاصيل ومراحل تطور الصراع الطبقي الذي سيتخذ في مرحلته الأخيرة طابعا دمويا عنيفا وحادا، ليتسنى للبروليتاريا في أعقاب ذلك السيطرة على أدواة الإنتاج ولتنتقل بعدها مقاليد الحكم الى العمال، ليقودو البشرية الى مرحلة" الشيوعية الكبرى" التي لا تشقى البشرية بعدها أبدا!
بعيدا عن سقوط المنطق الماركسي وفشله المخزي على أرض الواقع، فإن ما يستحق الملاحظة هو نجاح الفكر الماركسي في إيهام الغوغائيين بأن العنف والدموية وتدمير الممتلكات العامة قبل الخاصة أمور ضرورية لنجاح ثورة البروليتاريا. وبالرغم من تقديم البيان الشيوعي للعالم على أنه مجرد تفسير موضوعي للتاريخ البشري على أسس مادية، فإنه يحوي بداخله تحريضا واضحا موجها الى الغوغائيين لإرتكاب جرائم خطيرة مثل النهب والقتل والتدمير، وذلك كله تحت غطاء التنظير للحتمية التاريخية والصراع الطبقي.
وكما يوجد في البيان الشيوعي إيحاء موجه الى الجماهير العاملة بممارسة العنف وتصفية الطبقات الأخرى، فإن صاحب فكرة صراع الحضارات أيضا يدعو الى مصادرة حق الحضارات الأخرى في الوجود، لكنه يوجه دعوته للحكومات الغربية قبل الجماهير. وإذا كان شعار الماركسية (يا عمال العالم! إتحدو) فإن هنتنغتون يختتم دراسته التحريضية بتوصيات موجهة الى (الشعوب البيضاء، المسيحية الديانة، الأوروبية الفكر والثقافة) ويأتي في مقدمة هذه التوصيات:
أن على الغرب ان يسعى الى تعاون أوثق بين دوله ، وخاصة دول غرب أوروبا ودول أمريكا الشمالية
ليس من المبالغة إذا، القول بأن نظرية صراع الحضارات أو "صدامها" نسخة حديثة من نظرية صراع الطبقات الماركسية، ولكن بنكهة أمريكية رأسمالية. فإلى جانب أوجه التشابه التي أشرنا إليها ءانفا فإن هاتين الفكرتين تجتمعان في أنهما:
أولا: تنتميان معا الى الفكر الغربي، فكلتا النظريتين نشأت في الغرب.
ثانيا: وجود الصراع أمر حتمي في كل منهما (طبقي في الأولى وحضاري في الثانية)
ثالثا: تعتبران المواجهة والعنف وإلحاق الهزيمة بالعدو المفترض وسحقه (عن طريق التصفية الجسدية والغوغائية في الأولى، والتعاون المنظم بين القوى الإمبرياليةلإخضاع الأخرين، في النظرية الثانية ) الطريق الأمثل لتحقيق الإنتصار.

ويمكن أن نستنتج من هذا التشابه الكبيرفي دموية النتاج الفكري بين فوضوي غربي عاش في القرن التاسع عشر وبين حفيده الإمبريالي الذي ولد في القرن العشرين في بلد يحمل كل ركن فيه حكاية مأساة إنسانية من إسترقاق بغيض للأفارقة وتشغيلهم في ظروف لا إنسانية الى تهجير وحشي لا يعرف الرحمة وإبادة جماعية للسكان الأصليين لا تفرق بين رضيع وأبيه وبين جدته وأمه، نستنتج من كل ذلك أن العنف ما زال هو الخيار الأول والمفضل لدى العقلية الغربية في سعيها لتحقيق طموحاتها وفي تفاعلها مع محيطها الإنساني.
وتكمن المفارقة في أن هنتنعتون الذي تفوح رائحة الدم من التايخ الحضاري لأمته، وتتناثر أشلاء الأبرياء على طول المسافة التي قطعتتها حضارته الغربية يأتي في ءاخر الزمن متخفيا في زي العلماء ويقول بنبرة من يمضغ لحما نيئا "إن حدود الإسلام دموية وكذا أحشاءه" ثم يمضي ليفسر عبارته هذه - التي لا يقدر صياغتها إلا من له تاريخ موغل في الهمجية والتوحش- يفسر هنتنغتون عبارته بأنه يشير الى أن المسلمين في خلاف دموي مع غيرهم من أبناء الحضارات الأخرى، ومختلفون أيضا فيما بينهم بحيث يشن بعضهم الحرب على بعض. واستمر بعدها يستعرض بشكل مضلل عددا من الصراعات المختلفة المسلحة القائمة في أماكن متعددة من العالم، ثم ينتقي منها فقط ما يزعم أنه نسبة مشاركة المسلمين في هذه الصراعات.

ولو كان صامويل هانتنغتون منصفا وموضوعيا في هذا الأمر- كما هو شأن رجل العلم النزيه- لتوقف أيضا امام الأسباب التي تجعل المسلمين طرفا في كل هذا العدد من النزاعات (إذا افترضنا أن أرقامه صحيحة) ولتسائل أيضا عما إذا كانت أسباب هذه الصراعات داخلية تعود الى المسلمين أنفسهم، ام ان هناك أطرافا خارجية لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بهذه النزاعات، ولو بذل هنتنغتون جهدا بسيطا في هذا الإتجاه- وقد يكون بذل و أصبحت النتيجة لا تخدم غرضه- لكان قد توصل الى معلومات أكثر عمقا وأكثر مصداقية، خاصة وأنه ينتمي لدولة ذات تاريخ حافل بالتدخلات السافرة في الشئون الداخلية للأمم، تدخلات تمتد من كوريا في أقصى الشرق، و التي إنقسمت الى دولتين كنتيجة للتدخل الأمريكي، الى شيلي اللاتينية في أقصى الغرب والتي هي الأخرى فقدت رئيسا شرعيا في إنقلاب دبرته المخابرات الأمريكية.

أليس من الغريب إذا أن يوسم الإسلام بالعنف من قبل إنسان يعود لخلفية كتلك التي ينتمي إليها هنتنغتون، والأغرب أن يأتي هذا الإتهام متكئا على العلم ووقار العلماء، في حين أنه في جوهره لا يختلف عن أي بذاءات يمكن أن يطلقها سكير تافه يقبع في حانة مهجورة تقدم لزبائنها شرابا منحط الجودة.

إن أهم محرك لتوجهات هنتنغتون الفكرية هو التعصب العرقي والثقافي، ولا علاقة للعلم او الفكر الحر بالهراء الذي قدمه هنتنغتون على أنه "دراسة" وقام بنشره في مجلة (فورين أفايرز) تحت عنوان (صراع الحضارات) ثم حوله بعد ذلك الى كتاب. ولم يكن هذا المقال والكتاب الذي خلفه سوى محاولة خبيثة ، كان قصد صاحبها نشر مزيد من الكراهية بين شعوب العالم بإسم العلم.